لم يعد العالم الرقمي مجرد مساحة للتعلم أو الترفيه، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لأنواع جديدة من الجريمة، أخطرها تلك التي تستهدف الفئات الأصغر سناً. يشارك معكم روبودين هذا المقال الذي يتحدث عن ظاهرة استغلال الأطفال والمراهقين في الجرائم الإلكترونية والتي تبرز كقضية مقلقة تتوسع أبعادها بصمت بعيداً عن انتباه الأسر والمؤسسات.
البحث عن الحماية
يقضي الأطفال اليوم ساعات طويلة على الانترنت، سواء لأغراض التعليم أو الترفيه أو التواصل الاجتماعي. يمنحهم هذا الانخراط المبكر في العالم الرقمي مهارات تقنية لا يُستهان بها، لكنه في الوقت نفسه يعرّضهم ذلك لمخاطر خفية. فغياب الرقابة الكافية، وضعف الوعي بالمخاطر القانونية، يجعلهم فريسة سهلة للمجرمين الإلكترونيين الذين يجيدون استغلال هذه الثغرات.وبالتالي، فإن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها، وفي غياب التوجيه الذي يعلّم الأطفال الفرق بين الاستكشاف المشروع والتورط في أنشطة إجرامية.
استغلال الأطفال – هدف للمجرمين
تتعامل العصابات الإلكترونية مع الأطفال بوصفهم “أدوات منخفضة المخاطر”. فالأعمار الصغيرة تعني وعياً أقل بالمسؤولية القانونية، وإمكانية أسهل للتأثير النفسي على الضحية، إضافة إلى قدرة عالية على التعلم السريع والتكيّف مع الأدوات الرقمية الحديثة. كما أن بعض الأطفال يبحثون عن التقدير أو الانتماء أو إثبات الذات، وهي احتياجات نفسية تستغلها هذه الشبكات بذكاء، عبر الإطراء أو الإيحاء بأن الطفل يمتلك “موهبة نادرة” أو “قدرات استثنائية”.
كيف يبدأ الاستغلال؟
نادراً ما يبدأ استغلال الأطفال بطريقة واضحة بما يكفي للتنبه المبكر لها. قد تكون البداية عبر تواصل عابر في لعبة إلكترونية أو منصة اجتماعية. يُعرض على الطفل تنفيذ مهمة بسيطة تبدو قانونية أو غير مؤذية، مثل اختبار نظام، أو إدارة حساب، أو تجربة أداة رقمية. ومع مرور الوقت، تتغير طبيعة الطلبات تدريجياً. حيث تصبح المهام أكثر تعقيداً، وقد تشمل الوصول غير المصرح به إلى حسابات، أو التلاعب ببيانات، أو المشاركة في عمليات احتيال إلكتروني. في هذه المرحلة، يكون الطفل قد أصبح متورطاً نفسياً وربما مالياً، ما يجعل الانسحاب أصعب مع مرور الوقت.
الوقوع في الفخ
أحد أخطر عناصر الاستدراج هو المال السريع أو المجاني. فالدفع سيتم بوسائل رقمية يصعب تتبعها، ما يمنح الطفل شعوراً زائفاً بالأمان. بالنسبة لمراهق لم يدخل سوق العمل بعد، قد يبدو هذا الدخل المفاجئ إنجازاً أو اثباتاً للمراهق على ذكائه، دون إدراك منه أن الثمن الحقيقي قد يكون مستقبله الدراسي أو وضعه القانوني والنفسي. يغير هذا النمط من الربح غير المشروع نظرة الطفل إلى مفهوم العمل، ويشوّه فهمه لقيمة الجهد والمسؤولية.
أضرار الاستغلال
لا يمر التورط في الجرائم الإلكترونية دون أثر. فإلى جانب المخاطر القانونية، يعاني كثير من الأطفال من ضغط نفسي شديد، خوف دائم من الانكشاف، وشعور بالذنب أو العزلة. بعضهم يتعرض لاحقاً للابتزاز من الجهات نفسها التي استغلته، باستخدام سجل المحادثات أو الأدلة الرقمية. كما أن هذا المسار قد يُغلق أبواباً مستقبلية في التعليم أو العمل، خاصة في المجالات التقنية الحساسة التي تتطلب سجلاً نظيفاً وثقة مؤسسية.
الأسرة والتعليم- خط الدفاع الأول
تلعب الأسرة دوراً حاسماً في الوقاية، ليس عبر المنع المبالغ فيه عن استخدام الأجهزة الرقمية بل من خلال الحوار والوعي. عندما يشعر الطفل بالأمان في مشاركة ما يواجهه على الانترنت، تقل فرص وقوعه في الفخ. أما المدارس، فعليها تجاوز التعليم التقني البحت، وإدخال مفاهيم الأخلاقيات الرقمية والمسؤولية القانونية ضمن المناهج، ليُدرك الطالب أن المهارة والمعرفة التقنية قوة، لكنها قد تصبح خطراً إن أسيء استخدامها.
تحويل الخطر إلى فرصة
لا يخفى على أحد أن الكثير من الأطفال الذين يتم استهدافهم يمتلكون قدرات حقيقية كان يمكن تحويلها إلى مسارات إيجابية. وبالتالي، تمثل برامج الأمن السيبراني الأخلاقي، والمسابقات التقنية، والتدريب الموجّه، بدائل شرعية تمنح الطفل الشعور بالإنجاز دون تعريضه للمخاطر. أي أن احتضان هذه الطاقات و تحويلها لشيء مفيد ، بدل قمعها، هو المفتاح الحقيقي للحل.
كلمة أخيرة
من الخطأ النظر إلى استغلال الأطفال في الجرائم الإلكترونية باعتباره مشكلة تقنية فقط، بل قضية تربوية واجتماعية وأمنية في آن واحد. ومواجهتها تتطلب وعياً و عملاَ جماعياً يبدأ من البيت، ويمر بالمدرسة، ويصل إلى القوانين و السياسات العامة. فحماية الأطفال في الفضاء الرقمي تعني حماية مستقبل المجتمع بأكمله.


