ترتبط النسبة الأكبر من اختراقات البيانات بالخطأ البشري، حيث تنهار أنظمة الحماية السيبرانية بسبب ضعف تدريب المستخدمين. لذا، يجب أن يكون الاستثمار في الإنسان جزءاً من الاستثمار في الأمن السيبراني عبرالتعليم والتطوير المستمر للمهارات. يشارك معكم روبودين هذا المقال ، من أدبيات المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يسلط الضوء على أهمية الاستثمار في التدريب على الأمن السيبراني وأثره في تحسين مستقبلنا أفراداً ومؤسسات.
أهمية التدريب في الأمن السيبراني
لسنوات طويلة، رُويت قصة الأمن السيبراني بلغة تقنية صماء. جدران الحماية، وبرامج مكافحة الفيروسات، وأنظمة كشف التسلل، والأن الحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي – كل أداة جديدة يتم تسويقها كحل سحري يساعدنا لتجاوز الموجة التالية من الهجمات السيبرانية. لكن على الرغم من كل هذا الابتكار، لا تزال الاختراقات تحدث يومياً، ومعظمها لا ينتج عن ثغرات متطورة، بل عن أخطاء بشرية. غالباً ما تنهار أنظمة الحماية المتطورة لأن الموظفين لا يملكون التدريب الكافي على الأمن السيبراني لاستخدامها بشكل صحيح. لذا، إذا كان الهدف هو تعزيز المرونة الرقمية، فلا بد من أن ننظر إلى الاستثمار في الإنسان بشكل مكافئ لنظرتنا إلى الاستثمار في التكنولوجيا.
الاستثمار في الإنسان – ضرورة وليس رفاهية
لم تتغيرأساليب تدريب الأفراد على العمل في العالم السيبراني على مر السنين، رغم أن التطور التكنولوجي قد تجاوز المناهج التقليدية. ستظل الشهادات الجامعية ذات أهمية، لكنها لا يمكن أن تكون الوسيلة الوحيدة لقياس المعرفة بالأمن السيبراني، كما يجب أن تكون عملية منح الشهادات أسرع وأكثر مرونة. يمكن للدورات التدريبية القصيرة، التي تُطوَّر بالتعاون مع رواد الصناعة والحكومات والجامعات، أن تزود الطلاب والعاملين في مسيرتهم المهنية بمهارات حديثة.
و يمكن للأدوات التوليدية المُصممة باستخدام الذكاء الاصطناعي أن تساعد في تحديث الدورات التدريبية، ولكن يجب استخدامها بالتعاون مع المدربين وخبراء الأمن السيبراني. فبغياب هذه الشراكة، سيبقى التدريب قاصراً عن مواجهة التهديدات. والأهم من ذلك، لا يمكن أن يقتصر التدريب على قسم تكنولوجيا المعلومات. فكل موظف، من العامل في المصنع إلى الرئيس التنفيذي، يحتاج إلى وعي سيبراني كافٍ لرصد أي نشاط مشبوه والتعامل معه بمسؤولية. ليس الهدف تحويل الجميع إلى خبراء في الأمن السيبراني، بل سد الفجوة بين المتخصصين وبقية أفراد المؤسسة.
الذكاء الاصطناعي – ليس مجرد أدوات
إن النقص في الكفاءات المتخصصة في الأمن السيبراني معروف عالمياً حيث لا يزال الطلب على المهنيين المهرة يفوق العرض. لكن زيادة عدد الخبراء لن تحل المشكلة. يكمن الحل في جعل الأمن جزءاً لا يتجزأ من ثقافة المؤسسة اليومية. فعندما يتمكن الموظفون من كشف محاولات التصيد الاحتيالي أو التشكيك في صحة مقاطع الفيديو المفبركة، يصبح النظام ككل أقوى. يجب ألا تقتصر مفاهيم مثل التفكير النقدي ومعرفة الذكاء الاصطناعي على المتخصصين فقط. و ينبغي نشر الأمن بين جميع العاملين، لا حصره في نطاق ضيق.
ما يميز عالمنا هذه الأيام، هو الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي. تلك الأنظمة ليست مجرد أدوات، بل تُشكّل السلوك. فالقوى العاملة المدربة فقط على الإجراءات التقنية ستكون عاجزة عن الدفاع عن نفسها إذا لم تستطع التساؤل عن نطاق و الأثر الأخلاقي للتفاعل بين مخرجات التكنولوجيا التي تراها وتستخدمها.
لهذا السبب، لم يعد دمج الأخلاق والتفكير النقدي في تدريب الأمن السيبراني خياراً بل واجباً تمليه علينا معرفة قدرة الذكاء الاصطناعي على التأثير على القرارات بطرقٍ تدفع أشخاصاً مسؤولين إلى التصرف بشكلٍ ضار. لذا، يجب أن يُهيئ التدريب الأفراد لمراجعة النتائج، والتعرف على التلاعب، ومقاومة أشكال الإكراه والتلاعب الخفية.
كيف يُغيّر الذكاء الاصطناعي السلوك البشري؟
لطالما استغلّ المهاجمون الأخطاء البشرية، ورسائل التصيّد الاحتيالي. الجديد هو تطور أساليب الخداع، حيث بات بإمكان الأصوات المُزيّفة تقليد أصوات المسؤولين التنفيذيين، وتُصمّم الرسائل المُولّدة بالذكاء الاصطناعي لتجنّب الشبهات حتى بات التمييز بين الحقيقة والزيف أصعب يوماً بعد يوم.
في الوقت نفسه، يُسهّل الذكاء الاصطناعي مهمة المهاجمين، فالمهارات التي كانت تتطلب خبرة فنية عالية، أصبحت متاحة لأي شخص يمتلك لوحة مفاتيح. ببضع عبارات بسيطة، يُمكن توليد برمجيات خبيثة أو عملية احتيال إلكتروني مُقنعة. قد يجد أشخاص لم يتخيّلوا يوماً ارتكاب جرائم إلكترونية أنفسهم فجأةً قادرين على ذلك. يُعدّ هذا التآكل في الحدود خطراً يتم تجاهله. في القرصنة التقليدية، كانت النية واضحة لأنها تُصدر أمراً أو تُرتكب جريمة. أما مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، فالنية غامضة، إذ يُمكن تفسير عبارة مبهمة وتنفيذها تلقائياً، مما يسمح للمستخدمين بالتنصل من المسؤولية.
لهذه الفجوة في المساءلة عواقب وخيمة، حيث ستواجه المحاكم والهيئات الناظمة صعوبة في إثبات النية، بينما سيختبئ الأفراد وراء الحواسب وأدوات برمجية. ولمواجهة ذلك، يجب تدريب العاملين على فهم أن تفويض المسؤولية لا يُلغيها. ستكون هناك حاجة إلى أطر حوكمة جديدة، ولكن يجب على المؤسسات الاستمرار في ترسيخ الوعي بأن المسؤولية الأخلاقية لا يمكن تفويضها. وكما تُشير الأبحاث الحديثة، فإن هذه المنطقة الرمادية من “النية الضمنية” تُعدّ من أكثر التحديات إلحاحاً في القانون والممارسة.العمل.
الاستثمار في الإنسان – خير مستدام
لا يمكن أن يبقى الأمن السيبراني حكراً على منافسة و حروب تجارية بين الشركات أو الحكومات. إنه منفعة عامة، أساسية للثقة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي يتطلب التعاون عبر الاستثمار في التعليم والتطوير المستمر للمهارات. نحن بحاجة لشراكات تتبادل المعرفة بدلًا من إخفائها. وإعطاء الأولوية للتنوع لكي تعكس الحلول واقع التهديد العالمي. فالآفاق الضيقة تُنتج دفاعات هشة.
يُظهر التعقيد المتزايد للأمن السيبراني العالمي أنه لا يمكن لأي دولة أو جهة بمفردها مواجهته. فالاستجابة الوحيدة الفعّالة هي العمل الجماعي. والتكنولوجيا وحدها لا تكفي لإنقاذنا. فجدران الحماية والتشفير مهمة، لكن العنصر البشري أهم. ولن يصمد الأمن السيبراني إلا إذا أصبح جزءاً من حياتنا اليومية. ولا يمكن أن يقتصر على فئة ضيقة من الخبراء، بل يجب التعامل معه كواجب أخلاقي، يُناقش في قاعات الدراسة، ومجالس الإدارة، والمجتمعات على حد سواء. يجب أن يكون الاستثمار في الإنسان مسؤولية جماعية مُدمجة في عادات الحياة اليومية.
كلمة أخيرة
من حق أبنائنا العيش في بيئة رقمية آمنة وشاملة. هذا المستقبل ممكن، لكنه يتطلب تحركاً فورياً. فالتأخير يُفاقم المخاطر، بينما يُتيح التعاون فرصًا جديدة. يجب على الجميع المساهمة في جهود الأمن السيبراني، ولكن هل سيقى الإنسان حلقة ضعيفة أم جداراً منيعاً في وجه التهديدات السيبرانية؟


