تُعرف خصوصية البيانات، أو “خصوصية المعلومات”، بأنها مبدأ يمنح الأفراد حق التحكم في بياناتهم الشخصية، بما في ذلك قدرتهم على تحديد كيفية جمع المؤسسات لبياناتهم وتخزينها واستخدامها. تجمع الشركات بانتظام بيانات المستخدمين، مثل عناوين البريد الإلكتروني والبيانات البيومترية وأرقام بطاقات الائتمان. بالنسبة للمؤسسات العاملة في هذا الاقتصاد القائم على البيانات، فإن دعم خصوصية البيانات يعني اتخاذ خطوات مثل الحصول على موافقة المستخدم قبل معالجة البيانات، وحماية البيانات من سوء الاستخدام، وتمكين المستخدمين من إدارة بياناتهم بفعالية.
أهمية خصوصية البيانات
تلتزم العديد من المؤسسات قانوناً بحماية حقوق خصوصية البيانات بموجب القوانين المحلية أو بموجب تشريعات مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR). حتى في غياب تشريعات رسمية لحماية خصوصية البيانات، يمكن للشركات الاستفادة من تبني تدابير الخصوصية. فالممارسات والأدوات نفسها التي تحمي خصوصية المستخدم يمكنها حماية البيانات والأنظمة الحساسة من المتسللين. لذلك، تولي الشركات أولوية قصوى لخصوصية البيانات باعتبارها عنصراً أساسياً في البنية التحتية وإدارة المخاطر. كما تدفع اختراقات البيانات والتوسع في الذكاء الاصطناعي إلى التحول نحو الوقاية الاستباقية ودمج الخصوصية في تصميم الأنظمة، إدراكاً لدورها المحوري في موثوقية العمليات.
وبالتالي فإن المؤسسات في عالمنا العربي، تحتاج لاعتبار إدارة خصوصية البيانات عنصراً أساسياً في هندسة البنية التحتية وإدارة المخاطر. لم يعد من المقبول حصر الخصوصية في مجرد إجراءات قانونية شكلية أو قوائم مراجعة للامتثال. مع تحديث المؤسسات لبيئاتها الرقمية عبر الحوسبة السحابية والهجينة، يجب التعامل مع الخصوصية كجزء لا يتجزأ من دورة حياة البيانات. هناك تحول ملحوظ في الاهتمام، حيث تعتبر المؤسسات عالمياً أن الاستثمار في مخاطر الأمن السيبراني هو أولوية استراتيجية. يعكس ذلك إدراكاً من المستويات العليا في الإدارة أن مخاطر البيانات باتت تحمل تبعات مباشرة على الأعمال. في الوقت نفسه، لا يزال موضوع خصوصية البيانات يراوح في بعض الدول العربية يراوح مكانه ولايتجاوز كونه جزءاً من المتطلبات النظرية للامتثال دون تنفيذ حقيقي على أرض الواقع.
الضرورة التشغيلية لخصوصية البيانات
لم يعد بالإمكان فصل الخصوصية، عن موثوقية البنية التحتية. فهي تتقاطع مع إدارة الهوية، وهندسة البيانات، والاستجابة للحوادث بطرق يصعب فصلها. بدأت المؤسسات في تغيير السلوك مدفوعة بالدروس والعبر المستخصلة من الاختراقات الأمنية التي تؤثر على القرارات التشغيلية حيث تجاوزت التكلفة المتوسطة لحدث اختراق أمني حدود المليون دولار عالمياً. وتزداد هذه المخاطر في المؤسسات الكبيرة. وقد حوّلت هذه الأرقام بوصلة النقاشات الداخلية من الاستجابة إلى الوقاية.
تستجيب المؤسسات التي تعرضت لحوادث أمنية جسيمة بطرق محددة. ونادراً ما تقتصر استجابتها على حلول تكتيكية. فقد زادت استثماراتها في الأمن، وتلجأ بشكل متزايد إلى الخدمات المُدارة، وفي بعض الحالات، بدأت مجالس الإدارة تتساءل عن قضية جوهرية وهي: ما حجم البيانات التي تحتاج فعلاً إلى الاحتفاظ بها؟
توسع الذكاء الاصطناعي
يكشف الذكاء الاصطناعي عن ثغرات في إدارة البيانات ، حيث تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على مجموعات بيانات ضخمة ، مما يعني أن ثغرات الإدارة تتفاقم بمجرد انتقال النماذج إلى مرحلة الإنتاج (production). كما يتفاوت مستوى نضج الإدارة. فبينما أصبح تصنيف البيانات شائعاً ، لا تزال بعض الأساليب محدودة، مثل تقليل البيانات وتبني الذكاء الاصطناعي بمسؤولية. والنتيجة هي فجوة بين وضع ضوابط أساسية والوصول لقدرات أكثر استشرافاً للمستقبل في تصميم الأنظمة وتشغيلها.
لهذا الأمر دلالات عملية. فالبيانات المحفوظة -حتى التي لا تملك قيمة كبيرة- لا تزال تحمل مخاطر تنظيمية وتشغيلية. ومع توسع نطاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ستواجه المؤسسات التي تفتقر إلى إدارة منضبطة لدورة حياة البيانات توتراً متزايداً بين الابتكار والتحكم.
مخاطر الطرف الثالث
يتجاوز خطر انتهاك خصوصية البيانات حدود المؤسسة، فلم يعد هذا الخطر محصوراً داخلها. إذ تُصنّف اختراقات البيانات من جهات خارجية على أنها من التهديدات الأكثر صعوبة من حيث مستوى الاستعداد المطلوب لمواجهتها. تعتمد بيئات البيانات الحديثة على منصات خارجية ومزودي خدمات وشركاء، ومع ذلك، فإن آليات الحوكمة تعاني نتيجة الطبيعة الديناميكة للبيانات. كما تواجه التقييمات الدورية للموردين صعوبة في مواكبة أنماط الوصول ونماذج المسؤولية المشتركة. وتعمل المؤسسات التي تتكيف مع هذا الوضع على توسيع نطاق ضوابط الخصوصية لتشمل مختلف الأنظمة، بما في ذلك تعزيز حوكمة الوصول، وتوضيح المساءلة عن معالجة البيانات، وتحسين الشفافية في الاستخدام الخارجي للبيانات. والهدف الواقعي ليس القضاء على المخاطر، بل تقليل حالة عدم اليقين.
كلمة أخيرة
من الامتثال إلى تصميم الأنظمة ، يبرز مفهوم جديد لخصوصية البيانات، حيث يُنظر إليها على أنها قيد تشغيلي، على غرار التوافر أو المرونة، أكثر من كونها ضرورة امتثال. بالنسبة لقادة التكنولوجيا وأمن المعلومات، فإن المطلوب دمج الخصوصية في الأنظمة نفسها، لا إضافتها لاحقاً. يُسهّل ذلك الامتثال، ويدعم تبني الذكاء الاصطناعي، ويخلق وضوحاً تشغيلياً على نطاق واسع. في المؤسسات التي تعتمد على البيانات، لم تعد الخصوصية موضوعاً منفصلاً، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من بنية المؤسسة.


