تأثير السلوك البشري على الأمن السيبراني – لمحة موجزة

7 مشاهدة
5 دقائق
تأثير السلوك البشري

في السنوات الأخيرة، تضاعفت استثمارات المؤسسات العربية في حلول الأمن السيبراني. نرى ميزانيات أكبر، واعتماداً أوسع للحوسبة السحابية، وتطبيقات للمصادقة متعددة العوامل، وأنظمة متقدمة لرصد التهديدات. ومع ذلك، لا تزال الحوادث الأمنية تتكرر بوتيرة مقلقة. المفارقة أن المشكلة في كثير من الحالات لا تكمن في ضعف التكنولوجيا، بل في إهمال تأثير السلوك البشري على الأمن السيبراني. تشير تقارير عالمية إلى أن أغلب خروقات البيانات تتضمن عنصراً بشرياً، سواء عبر تصيّد احتيالي، أو انتحال بريد إلكتروني، أو مشاركة بيانات اعتماد دون تحقق. لكن بعيداً عن الإحصاءات، تكشف التجربة العملية في مؤسسات عالمنا العربي أن الموظف غير المدرّب يظل البوابة الأسهل للمهاجمين.

مخاطر الإفراط في الثقة

في الوعي العام، يُختزل الأمن السيبراني في صورة “هاكر” يخترق الأنظمة باستخدام أدوات معقدة. لكن الواقع أكثر بساطة وأخطر في آنٍ معاً: فالمهاجم لا يحتاج إلى تجاوز طبقات حماية متقدمة إذا كان بإمكانه إقناع موظف بالنقر على رابط مزيف. وفي العالم العربي، تتضاعف خطورة هذا النوع من الهجمات لعدة أسباب، منها:

  • ثقافة الثقة العالية في المراسلات الرسمية.
  • الحساسية تجاه التشكيك في الطلبات الصادرة من الإدارة العليا.
  • ضغط العمل الذي يدفع الموظفين لاتخاذ قرارات سريعة دون تحقق كافٍ.

ونتيجة لهذه العوامل تصبح الهندسة الاجتماعية أداة فعالة للغاية في -أغلب- بيئات العمل العربية .

أبعد من تدريب تقليدي

لا تزال أغلب برامج التوعية الأمنية في المؤسسات العربية تعتمد على نموذج تقليدي: دورة سنوية، عرض شرائح، اختبار سريع، ثم أرشفة الشهادة لأغراض الامتثال. قد يحقق هذا النموذج المتطلبات التنظيمية، لكنه نادراً ما يغيّر السلوك. فالتدريب الفعّال يجب أن ينتقل من نقل المعرفة إلى تغيير أنماط التفكير واتخاذ القرار. لا يحتاج الموظف إلى فهم تقني عميق للبروتوكولات الأمنية، بل إلى قدرة عملية على التمييز بين رسالة حقيقية وأخرى احتيالية، وبين طلب مشروع وآخر مشبوه.

تأثير السلوك البشري – نقاط الضعف

التحدي الحقيقي ليس في تنفيذ برنامج تدريبي، بل في بناء ثقافة أمن سيبراني مستدامة. فالثقافة الأمنية تعني أن:

  • يصبح الإبلاغ عن رسالة مشبوهة سلوكاً طبيعياً.
  • يشعر الموظف بالأمان عند الاعتراف بخطأ.
  • يدرك الجميع أن الأمن مسؤولية جماعية، لا مهمة حصرية لقسم تقنية المعلومات.

في المؤسسات التي تنجح في اجتياز هذا التحدي، يتحول الموظفون من “نقطة ضعف محتملة” إلى “مستشعرات مبكرة للتهديد”.

القصص و تأثير السلوك البشري

أثبتت التجربة أن الموظفين لا يتذكرون الإحصاءات، لكنهم يتذكرون القصص. عندما يُعرض سيناريو واقعي يحاكي محاولة انتحال صفة مدير تنفيذي، أو حادثة خسارة مالية بسبب رسالة مزيفة، فإن التأثير يكون أعمق بكثير من أي قائمة تعليمات. وبالتالي يتم بناء التدريب على السيناريوهات الواقعية لتحقيق ما يلي:

  • يخلق ارتباطاً عاطفياً.
  • يعزز الذاكرة طويلة المدى.
  • يساعد الموظف على استدعاء التجربة عند مواجهة موقف مشابه.

في بيئة تتطور فيها أساليب الاحتيال بسرعة، يصبح هذا النوع من التدريب ضرورة وليس ترفاً.

محدودية برامج التوعية

هناك أبعاد ثقافية وإدارية يجب أخذها بعين الاعتبار عند تصميم برامج التوعية في منطقتنا العربية:

  1. الخوف من المساءلة: قد يتردد الموظف في الإبلاغ عن خطأ خشية العقوبة.
  2. الهرمية الإدارية: صعوبة التشكيك في طلب صادر من إدارة عليا حتى لو بدا غير منطقي.
  3. ضعف التواصل الداخلي: غياب قنوات واضحة وسريعة للإبلاغ عن الحوادث.

تتطلب معالجة هذه التحديات دعماً مباشراً من الإدارة العليا، ورسالة واضحة مفادها أن الإبلاغ المبكر يُكافأ، وأن الهدف هو التعلم لا العقاب.

التوعية الأمنية والذكاء الاصطناعي

مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت رسائل التصيّد أكثر إقناعاً، والمكالمات الصوتية المزيفة أكثر واقعية، والهجمات أكثر تخصيصاً. ولأن الاستثمار في الإنسان اليوم هو استثمار في صمود المؤسسة غداً فقد وجد القائمون على برامج التوعية أنهم بحاجة ماسة إلى تطويرها من خلال:

  • محاكاة هجمات واقعية بشكل دوري.
  • تحديث المحتوى بما يعكس أحدث التهديدات.
  • تقديم تدريب قصير ومتكرر بدلاً من جلسة سنوية مطوّلة.

كلمة أخيرة

قطعت المؤسسات العربية شوطاً مهماً في تطوير بنيتها التحتية التقنية للأمن السيبراني. لكن المرحلة القادمة تتطلب تحولًا أعمق. يتضمن ذلك الانتقال من التركيز على الأدوات إلى فهم تأثير السلوك البشري على برامج التوعية السيبرانية. فالوعي لا يتحقق بمحاضرة سنوية، بل ببناء ثقافة قائمة على التعلم المستمر، والثقة، والمشاركة الجماعية في حماية الأصول الرقمية. عندما يدرك كل موظف أن ضغطة زر واحدة قد تحمي المؤسسة أو تضرّ بها، نكون قد بدأنا فعلياً في إعادة تعريف الأمن السيبراني كمسؤولية مؤسسية مشتركة.

شارك المقال
اضف تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *